الامووورة
10-16-2007, 10:48 AM
المَعْلَمْ الأول: في تقوى الله.
المَعْلَمْ الثاني: في الإخلاص.
المَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته.
المَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشاق في الطلب.
المَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه.
المَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب.
المَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة.
المَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق.
المَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله.
المَعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة.
المَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم.
المَعْلَمْ الأول: تقوى الله.
فإن تقوى الله ما كانت في قليل إلا كثرته، ولا في يسير إلا باركته، وصية الله للأولين والآخرين، وموعظة الله لعباده أجمعين، تقوى الله ما دخلت في قلب إلا أدمعت عينيه من خشية الله، وجعلت قلبه أسبق ما يكون إلى طاعة الله ومرضاته.
قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي رحمه الله في كتابه الجامع: (جماع الخير كله تقوى الله، وأزين الحلى للعالم: تقوى الله)، أزين ما يتحلى به من تخلق بالعلم: أن تكون تقوى الله قد وقرت في صدره، واستقرت في فؤاده وقلبه، فعندها يكون أعفّ الناس لساناً، وأثبت الناس في طاعة الله ومرضاته، جناناً، تقوى الله عز وجل، التي ما خلت منها موعظة من مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا كلمة من كلماته، فكم وعظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءه الرجل يريد السفر، فقال له يستوصيه: (زوّدك الله التقوى) (1) )، فنعمَ – والله- الزاد، فهي زاد المهاجر إلى الله، وعدة عباد الله في طاعة الله، تكف الجوارح عن حدود الله، وتدعوها إلى المسارعة والمسابقة في طاعة الله.
فطالب العلم الصادق المتقي لله أبعد الناس عن المحارم، وأعفّ الناس عن الحرام، وأنزههم عن الفواحش والآثام، يخاف الله في سمعه، يخاف الله في بصره، يخاف الله في لسانه وفرجه، في جميع حركاته وسكناته.
فما أجمل طالب علم تسربل بسربال التقوى، واستمسك من الدين بالعروة الوثقى، وكان كريم القول والعمل، جميل الخصال والخلال، إذا نظرت إليه ذكّرك الكريم المتعال.
بتقوى الله ييسر الله لك طلب العلم، فما قذف الله نور التقوى في قلب إلا يسر أمره، وشرح صدره، وأحسن عاقبته وأمره.
قبيحٌ على طالب العلم أن يبدأ طلب العلم وفيه خصلة من خصال الجاهلية، وعيب -والله- على طالب العلم أن يطلب العلم ولم يبلّغ نفسه فعل الأمور المرضية، والتي من أجلّها تقوى الله ربّ البرية.
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله قَبِل منك: ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) [المائدة:27].
ولما دخل عبد الله بن عمر على أبيه رضي الله عنهما في مرض موته، وقال: يا أبتِ.. ألم تكن تفعل وتفعل، وذكّره بتبشير النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة، قال له عمر رضي الله عنهما: يا بُني: إنما يتقبل الله من المتقين.
قال بعض العلماء:
قد آلم القلب أني جاهل مالي ..... عند الإله أَراضٍ هو أم قالي
وأن ذلك مخبوءٌ إلى يوم ....... اللقاء ومقفول عليه بأقفالِ
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله أحبك الله، ((بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) [آل عمران:76].
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله كنتَ له ولياً، ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)) [الجاثية:19].
يا طالب العلم.. خير خلة تتحلى بها أن ينظر الله إلى قلبك قد عُمّر بتقواه، تخاف الله في قولك، تخاف الله في عملك.
وإذا خرجتَ وأنت تحمل كتابك، ورمقتك الأبصار والأنظار، فاستشعر وأنت تحمل كتاباً من كتب الدين والملة أنك تمثل دين الله وشرع الله، فاتقِ الله واحفظ جوارحك عن كل شيء يشين العلم وأهله.
__________
(1) رواه الإمام الترمذي رحمه الله من حديث أنس رضي الله عنه، وقال: حسن غريب. والحاكم، وحسنه الحافظ، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الكلم الطيب.
المَعْلَمْ الثاني: الإخلاص لله
وهو ثمرة من ثمرات التقوى، إنه سرّ بينك وبين الله، لا يعلمه أحد سوى الله. هذه الوصية التي رفع الله عز وجل بها العلماء، فماتوا وما مات علمهم، وارتحلوا وما ارتحلت فضائلهم ومآثرهم لما علم الله إخلاصهم بقيت كتبهم كأنها كتبت بالأمس القريب، تنفذ وتطبع، وتنفذ وتطبع، بقيت علومهم تغشاهم بها الرحمات آناء الليل وأطراف النهار. إنها العبودية الصادقة لله.
قال بعض أهل العلم –رحمهم الله-: الإخلاص هو الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا لشيء سواه، فأي طالب علم أخلص لله في طلبه، وكان يرجو الله عز وجل في قوله وعمله، فهو مسلم بحق، وهو طالب علم بصدق، وكم من أقوال قليلة عظمتها النية، وكم من أقوال كثيرة محق الله بركتها وعادت وبالاً على أصحابها لما خرجت لغير الله، وأريد بها غيره، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إخلاص العمل هو الدين لله، الذي لا يقبل الله ديناً سواه. وقال في موضع آخر: وهو خلاصة الدعوة النبوية، وقطب القرآن الذي تدور عليه رحاه، واستشهد بقول الله تبارك وتعالى: ((تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)) [الزمر:1-3]. ألا لله العبودية والأقوال والأعمال الخالصة لوجهه.
إخلاص العمل لله أن يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمة يسمعها ويقولها ويكتبها ويفهمها، فتكون أشجانه وأحزانه لله جل جلاله، فلا يزال بهذا الإخلاص تُخط به في صحيفة عمله الحسنات، ويُستوجب له بها عند الله رفعة الدرجات، يغدو إلى مجالس العلم فينظر الله في قلبه وهو جالس مع العلماء، ومذاكرة طلاب العلم، وهو لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فلا يزال يحبه الله ويكرمه ويرفعه ويعظم أجره ويحسن العاقبة له في العلم.
فمن كمل إخلاصه لله، فإن الله يوفقه ويسدده ويرحمه، ويجعل عمله نفعاً له في دينه ودنياه وآخرته.
لقد كان السلف الصالح يحملون همّ الإخلاص، حتى كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا حدث بحديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار(1) يغشى عليه، وكان سفيان بن عيينة رحمه الله يقول: (ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيّتي أنها تتقلب عليَّ)(2).
وكان بعضهم إذا قيل له حدثنا، قال: لا.. حتى تأتي النية.
فأول ما يطلب الإنسان العلم يأتيه الزهو والغرور وحبّ المناظرة والمناقشة والبروز على الأقران وحظوظ الدنيا؛ لأنه حين رأيته يحمل كتابه بدأت تجله وتحترمه وتكبره وتخاطبه بالخطاب الذي يدل على إجلاله بعد أن كان من عوام الناس، فيعجب بذلك، فيهلك والعياذ بالله.
وإذا أراد الله بالعبد خيراً في بداية الطلب، كسر قلبه لخشيته، وبدأت تظهر أمارات الإخلاص على عمله وحركاته وسكناته، ويكون أشد ما يكون حرصاً على إخفاء عمله.
قال بعض السلف: وددتُ أن عبادتي بيني وبين الله، لا تراه عين.
الإخلاص لوجه الله أن تستحي من الله عز وجل، إذ علَّمَك وفَهَّمك وأجلسك مجالس الرحمة أن ترجو غيره، أو تلتمس رضوان أحد سواه، فاجعل تعلّمك خالصاً لله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب.
ومن أمارات هذا الإخلاص ودلائله وعلاماته المشهورة أن تجد نفسك زاهداً في الدنيا، كثير الطمع في الآخرة، فلا تبحث عن سمعة، ولا تبحث عن رياء، ولا تلتمس رضوان أحد غير الله جل جلاله، تصبر وتكافح وتجاهد في طلب العلم، لا تنثني لك عزيمة، ولا تنكسر لك شوكة، ولا تصرف وجهك عن الوجهة التي علمت فيها رضوان الله العظيم حتى تبلغ غايتك التي تريدها وتنشدها، وهذا هو النَّهَمُ الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) (3) ، فطالب العلم المخلص لوجه الله لا يضعف، ولا يكلّ، ولا يسأم من طلب العلم؛ لأنه يعلم ما وراء هذا التعب والنصب من رضوان الله العظيم، ويعلم أن في نصبه وكدحه محبة الله والدرجات العلى عند الله سبحانه وتعالى.
انتبه لنيتك، وتفقد سريرتك: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد:11].
وأبشر بالتوفيق إذا وطنت نفسك على الإخلاص: ((إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ)) [الأنفال:70].
__________
(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
(2) ذكره ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم (ص:69-70).
(3) ورد موقوفاً وورد مرفوعاً عند الإمام أحمد في المسند، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.
المَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته
أن نفتح لهذا العلم أسماعنا وقلوبنا، وأن نحس أن هذه الآذان تتشرف وتُكرم بسماع كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أن ينطلق طالب العلم وقلبه يشتعل شوقاً لمجالس العلم، فينفتح قلبه وقالبه لماء الوحي، حتى إذا نزل ذلك الماء على القلب، كان كالغيث الطيب في الأرض الطيبة، وما من طالب علم يقبل بكليته على العلم بهذه الكيفية إلا نفعه الله به، ولذلك كانت أول وصية من الله عز وجل لنبي الله موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)) [طه:13].
من الإقبال بالكلية على العلم أن ننطلق إلى رياض الجنة ننافس إخواننا، ونسابق فيها خلاننا، فلا يسأم وهو في مجلس العلم، ولا يملّ ولا يفتر.. ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)) [المزمل:5]، فالعلم ثقيل، ويحتاج إلى عزيمة وقوة وصبر وجَلَد وجمع البال له، ولذلك قال نبي الله موسى بن عمران -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)) [طه:25-26]، فالأمر جد عظيم.. والتناوم والتكاسل والخمول لا يليق بطالب العلم.. والمحروم من حُرِم.
وكان بعض العلماء يشنّع على من يستاك في مجلس العلم حتى لا يصرف باله عن العلم الذي جلس فيه، والله تعالى يقول: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)) [الأحزاب:4].
وهكذا كان إقبال الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا أطرقوا كأن على رؤوسهم الطير، ما كانوا يستاكون، ولا كانوا ينشغلون، وفي الحكمة (أعطِ العلم كلك يُعطِك بعضه)، فكيف إذا أعطاه الإنسان بعضه.
المَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشقة في الطلب
وهذا المَعْلَم الذي ذكرناه أن العلم لابد فيه من المهانة، ولا بد فيه من التعب والنصب، تدل عليه السنة الصحيحة، ففي حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الوحي(1) ، أخبرت رضي الله عنها أن جبريل أخذ النبي صلى الله عليه وسلم فغطه حتى بلغ منه ذلك المبلغ.
يقول بعض العلماء: إن جبريل غط النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات حتى رأى الموت -صلوات الله وسلامه عليه- وكان بالإمكان في أول مرة أن يقول له: اقرأ باسم ربك الذي خلق، قالوا: حتى يعرف طالب العلم أن العلم لا ينال إلا بالمهانة والتعب وبالنصب.
وكان إذا نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، فإذا كان على ناقة جثت الناقة، وأصاب عنقها الأرض من شدة ما يناله –عليه الصلاة والسلام- عند نزول الوحي، فلا بد من الاختبار والامتحان في طلب العلم، فأول خطوة في الوحي أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت صلى الله عليه وسلم، وآخر لحظة من الدنيا قال فيها: آه.. إن للموت لسكرات.
العلم ثقيل، العلم رسالة عظيمة تحتاج إلى جهاد، تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى كفاح، تحتاج إلى تحمل واحتساب الأجر، وهذا نبي الله وكليمه ونجيه موسى –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- الذي قال الله عز وجل فيه: ((وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه:39]. ما أعز الله شأنه ورفع ذكره وأصبح إمام بني إسرائيل في زمانه، إلا حين تعب وبذل في سبيل ذلك الجهد، يمشي على قدميه إلى مجمع البحرين قاصداً الخضر عليه السلام حتى أعيى، لم يستقر، ولم يهدأ له بال حتى يبلغ مكان العالم الذي ذكره الله له، الخضر عليه السلام: ((لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)) [الكهف:60] أي حياتي كلها أبد الآباد وأنا أسير في البحث عنه.
فمشى مع غلامه يوشع بن نون حتى بلغ منه التعب والنصب مبلغه.. ((لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)) [الكهف:62]. فرأى علامة مكان الخضر عندئذٍ، ولذلك قالوا: على قدر المشقة تكون من الله المعونة والمؤنة.
ولما أظهر للخضر عليه السلام حرصه على العلم، وطّنه بقوله: ((إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) [الكهف:67]، وهذا أدب من العالم أن ينصح لطالب العلم، قال له موسى "سأصبر" ((سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)) [الكهف:69]، علّق الصبر على المشيئة، ولم يعلّقه على قوته وحوله، من منا اليوم يقول هذا لمن يتعلّم منه، سأصبر ولا أعصي لك أمراً، ولذلك لما فقدنا الذلة للعلم فقدنا روح العلم، تجد العلم ولكن لا تجد روحانية هذا العلم في القلوب.
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاّم، إمام من أئمة السلف، كان آية في علم القرآن وتفسيره، حتى صار يحتج بأقواله في تفسير القرآن، وكذلك في اللغة والشعر، يقول رحمه الله: لما تعبت في تحصيل العلم، كنت أكدح، أسهر الليل، وأتعب النهار، وأجد المشقة، فإذا وجدت الحكمة والفائدة من العلم، نسيت ما وجدت من التعب، كل التعب يهون عندما أجد الحكمة.
وقال الإمام أبو حاتم رحمه الله: مضت علينا أيام لم نطعم فيها مرقاً، فمن كثرة الدروس وحضور مجالس العلماء لا يجدون وقتاً لطبخ اللحم وشرب مرقته من جدّهم واجتهادهم في التحصيل، نسوا حتى حظوظ أنفسهم –رحمة الله عليهم-.
وهذا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه حين قدم المدينة مهاجراً، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر لم ينتظر ولم يهدأ له بال، حتى لحق به صلى الله عليه وسلم بخيبر، إنها همة هذا الصحابي الجليل التي كانت ثمرتها أن أصبح بعد سنوات وعاء مليء علماً وحكمة، ومن المكثرين من رواية سنن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح اسمه يذكر اليوم كثيراً على المنابر وفي مجامع الناس، وكفى بهذا الذكر شرفاً، ناهيك عن الدعوات وعن أجر كل سنة يعمل بها من بعده وما أعدّه الله له من الكرامة).
يقول الشيخ الشنقيطي: ( أذكر ذات يوم من الأيام أنني اشتكيت إلى الوالد رحمه الله من المشقة في طلب العلم، وكانت دروسه متواصلة أثناء اليوم، بعد الفجر تفسير للقرآن، وبعد الظهر صحيح البخاري، وبعد العصر درس الفقه، وبعد المغرب السنن، وبعد العشاء في صحيح مسلم، خمسة دروس بالإضافة إلى دروس الجامعة، فلما وجدت بعض التعب والمشقة، وأحببت أن أقتصر على البعض، شكوت إليه رحمه الله، فقال: يا بني! والله لقد كنت أوقد الفتيل لأبحث عن مسألة من مسائل الفقه، فيخنقني الدخان فأطفئه ثم أوقده ثم أطفئه، ولا أنتهي من المسألة إلا قرابة منتصف الليل، وأنتم في الكهرباء والنعمة، يقول: والله يا بني.. لقد كان يمرّ عليَّ بعض الآلام والأسقام أسلو عنها بالعلم الذي أتعلّمه).
ومما ذكر – رحمة الله عليه- يقول: ( كانت أذني تؤلمني حتى أجد من الجهد والألم ما الله به عليم، فأضع الفتيلة في أذني لكيه من أجل يسكن الألم، وكتابي في حجري لا أتحول عنه).
العلم يريد جهد وتعب وتضحية وبذل.
طالب العلم يعامل الله، والمعاملة مع الله ابتلاء، وفيها اختبار، وفيها امتحان، ولا بد لطالب العلم أن يجد الشدائد، وأن يجد المحن، وأن يجد من يثبطه ومن يخذله، فأول شيء يوصى به طالب العلم: الصبر على وساوس الشيطان، فإن الشيطان لم يدع لطالب العلم باب خير يطرقه إلا وجاءه منه حتى لا يبلغه، لا يمكن أن يترك طالب العلم وأن يخلي بينه وبين الخير؛ لأن الله عز وجل أخبر أن المؤمن مبتلى، ودرجة طالب العلم فوق درجة المؤمن العامي.
فأول ما يأتي الشيطان للإنسان يخذله، يقول له: من أنت حتى تطلب العلم فلست بعالم، ولا أباك عالم، ولست من بيت علم، حتى يخذله عدوّ الله، ويجد أمامه من حاجات الناس والأهل وأغراضهم ما يمتحن به، ويجعل في قلبه اليأس من رحمة الله والقنوط من روح الله.
فمن فهّم نبي الله سليمان، ومن علّم نبي الله داود -عليهما الصلاة والسلام- قادر على أن يفهمك ويعلمك، وكم من طلاب علم كانوا على جاهلية، وبُعْدٍ من الله تبارك وتعالى، ولكنهم أحسنوا الظن بالله، فما مضت الأيام، ولا انقضت الأعوام، إلا وهم أئمة هدى ومشاعل خير، فأحسن الظن بالله جل جلاله وكن قوي العزيمة على طلب العلم.
فاصبر على طلب العلم، واحتسب البلاء الذي تجده، واحتسب عند الله ما يقال عليك أو يقال لك، فكما أن الإنسان قد يبتلى بالسب والشتم والأذى في عرضه، فقد يبتلى حتى بمدح الناس وثنائهم عليه، فإن الجاه والسمعة والشهرة قد تذهب حسناتك، بل قد تقتل الإنسان من حيث لا يدري، فما على الإنسان إلا أن يجاهد ويحتسب عند الله عز وجل أن يثّبته وأن يوفقه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم أئمة هدى، هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
__________
(1) رواه البخاري.
المَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه
فإضاعة الوقت من أعظم المصائب على طالب العلم، أعز شيء يملكه طالب العلم: الوقت، والذي يريد العلم يحفظ وقته.
طالب العلم أعز شيء عنده: الوقت، خاصة إذا خرج في طلب العلم من مدينته إلى مدينة ثانية، ما ترك والديه، ولا ترك إخوانه ولا قرابته، ما تركهم عبثاً، ينبغي أن يحترق في قرارة قلبه على كل ساعة تضيع.
من أعظم الآفات التي تضيع على طالب العلم الخير الكثير: عدم الحرص على الوقت، ومن الحرص على الوقت إذا جلس طالب العلم مع طلاب العلم يستفيد، لا تجلس هكذا صامتاً، سلهم مسألة وإن كانوا دونك في العلم، اطرح عليهم مسألة، ثم علّمهم إياها، وإن كانوا أعلى منك تواضع وخذ منهم، وإن كانوا في مستواك ذاكرهم، فتكون دائماً في مذاكرة للعلم، فإن مذاكرة العلم عبادة تشتري بها رحمة الله، يحتسب في لحظاته وحركاته حتى إذا جلس مع الناس أن يستفيد أو يفيد، فهذه رسالة طالب العلم.
وإذا وفقه الله كان عنده الحرص على كل لحظة وعلى كل ساعة وعلى كل دقيقة أن تضيع هدراً، يغار على كل لحظة، يتذكر الوالدين، يتذكر الأبناء، يتذكر فلذات الكبد، الجيران، الخلان، الأحبة والإخوان، كلهم تركهم من أجل هذا العلم، إذاً فلا بد أن يُمضي الوقت في طاعة الله، وأن يستغل هذا الوقت في محبة الله ومرضاته، هذا من أهم ما يعتني به طالب العلم، وفي الحكمة: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فالوقت إما لك، وإما عليك.
قال الإمام مالك رحمه الله: ما دخلتُ على جعفر إلا وجدته على إحدى ثلاث خلال: إما قائماً يصلي، أو جالساً يقرأ القرآن، أو جالساً يذكر الله، حتى كان بعض العلماء يقول: نِعْمَ –والله- الحال.
وأذكر بعض الفضلاء من أهل العلم كان من رفقائنا في طلب العلم، كنت إذا دخلت عليه أزوره، فأجلس أحادثه وأذاكره في المسائل، الكتاب في حجره، والله لا أخرج عن مذاكرة العلم قليلاً إلا تركني وأقبل على العلم ولم يجاملني.
ومما يعين على حفظ الوقت:
أ- كثرة ذكر الآخرة: فمن تذكر أنه ستمرّ عليه مثل هذه اللحظات حبيس الأجداث والبلى، فإن هذا يهون عليه أمر الدنيا، ويُحَسّسهُ كأن عمره قصيراً، فيستنفذه في الطاعة والخير.
ب- الابتعاد عن المعاصي، فقد يقصر في بر الوالدين أو صلة الأرحام فيحرم البركة في الوقت، كما قال سفيان: أذنبتُ ذنباً فحرمتُ لذة قيام الليل سنتين.
وليس من الحكمة أن تضع جدولاً لطلاب العلم لحفظ أوقاتهم؛ لأنهم يختلفون، فبعضهم لا يتمكن من الجلوس بعد الفجر أو الحفظ في آخر النهار، والبعض يناسبه السهر في طلب العلم، فوضْعُ منهجٍ معينٍ لتقسيم الأوقات من الصعوبة بمكان.
ولكن نضع لهم قواعداً تأسياً بالكتاب والسنة، (احرص على ما ينفعك)، وننبه على ما يضيع الوقت، مثل: قرين السوء ولو كان صالحاً، لكن ليس عنده عقل، فيضيع أوقاتك فيما لا خير فيه، فتفقد من حولك، فالقرين الصالح إذا رآك على خير سددك، وإذا رآك على تقصير نبهك وذكّرك، ولذلك قال بعض السلف: أخوف الناس فيك من نصحك، أي: أخوف الناس لله فيك.
إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك
وكم من الجلساء إذا جلستَ معه قمتَ وإيمانك أزيد مما كان من الخير والبرّ والفائدة والحكمة.
وإذا لم تجد أعواناً وجلساء هذه صفاتهم، فاجلس مع السلف الصالح الأخيار في كتبهم ومؤلفاتهم وتراجمهم.
طالب العلم ينبغي أن يتفقد من حوله، ويحذر من الذي يفسد قلبه بالقيل والقال.
صلح قرين السوء للقرين ... ... كصلح اللحم للسكين
ينبغي لطالب العلم أن يغار على كل ساعة وعلى كل لحظة وعلى كل طرفة عين، ما تغرّب الإنسان عن أهله ولا فارق جيرانه ولا إخوانه عبثاً، فارقهم لشيء أعز وأنفس، وهو طاعة الله ومرضاته في طلب العلم، فهذا أمر ينبغي العناية به.
المَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب:
ومن الأمور التي كان العلماء يوصون بها طالب العلم أنه يبحث عن قرين صالح يعينه على طلب العلم.. يبحث عن شاب خيّر صالح، يعرف فيه الهمة والنشاط، فيتخذه بطانة له على الخير، ويشدّ من أزره، وكل منهما ينصح لأخيه، حتى يكونا من المرحومين الذين سمّى الله جل جلاله.
وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- يعرفون أثر الرفقة في طلب العلم من الإعانة على الخير، قال تعالى عن نبيه موسى لما أوحى إليه بالرسالة: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا)) [طه:29-35].
اشدد به أزري، وأشركه في أمري.. فجملة (كي نسبحك).. تعليلية.. أي سألتك هذا لكي أكون أكثر عوناً على طاعتك، والقرين الصالح الذي تعرف فيه الهمة والنشاط يعينك وتعينه بإذن الله جل جلاله، وتكونا ممن وصفهم الله في كتابه المبين في قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [التوبة:71]، فهذا من ولاية المؤمن لأخيه المؤمن.
وللموضوع بقية بإذن الله.
منقول من : معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية، للشيخ : مُحمّدِ بنِ محمّدٍ المُختارِ الشنقيطيِّ . بتصرف يسير.
المَعْلَمْ الثاني: في الإخلاص.
المَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته.
المَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشاق في الطلب.
المَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه.
المَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب.
المَعْلَمْ السابع: الوصية بالرفقة.
المَعْلَمْ الثامن: الأدب وحسن الخلق.
المَعْلَمْ التاسع: أخذ العلم عن أهله.
المَعْلَمْ العاشر: الاهتداء بالكتاب والسنة.
المَعْلَمْ الحادي عشر: العمل بالعلم.
المَعْلَمْ الأول: تقوى الله.
فإن تقوى الله ما كانت في قليل إلا كثرته، ولا في يسير إلا باركته، وصية الله للأولين والآخرين، وموعظة الله لعباده أجمعين، تقوى الله ما دخلت في قلب إلا أدمعت عينيه من خشية الله، وجعلت قلبه أسبق ما يكون إلى طاعة الله ومرضاته.
قال الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي رحمه الله في كتابه الجامع: (جماع الخير كله تقوى الله، وأزين الحلى للعالم: تقوى الله)، أزين ما يتحلى به من تخلق بالعلم: أن تكون تقوى الله قد وقرت في صدره، واستقرت في فؤاده وقلبه، فعندها يكون أعفّ الناس لساناً، وأثبت الناس في طاعة الله ومرضاته، جناناً، تقوى الله عز وجل، التي ما خلت منها موعظة من مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا كلمة من كلماته، فكم وعظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءه الرجل يريد السفر، فقال له يستوصيه: (زوّدك الله التقوى) (1) )، فنعمَ – والله- الزاد، فهي زاد المهاجر إلى الله، وعدة عباد الله في طاعة الله، تكف الجوارح عن حدود الله، وتدعوها إلى المسارعة والمسابقة في طاعة الله.
فطالب العلم الصادق المتقي لله أبعد الناس عن المحارم، وأعفّ الناس عن الحرام، وأنزههم عن الفواحش والآثام، يخاف الله في سمعه، يخاف الله في بصره، يخاف الله في لسانه وفرجه، في جميع حركاته وسكناته.
فما أجمل طالب علم تسربل بسربال التقوى، واستمسك من الدين بالعروة الوثقى، وكان كريم القول والعمل، جميل الخصال والخلال، إذا نظرت إليه ذكّرك الكريم المتعال.
بتقوى الله ييسر الله لك طلب العلم، فما قذف الله نور التقوى في قلب إلا يسر أمره، وشرح صدره، وأحسن عاقبته وأمره.
قبيحٌ على طالب العلم أن يبدأ طلب العلم وفيه خصلة من خصال الجاهلية، وعيب -والله- على طالب العلم أن يطلب العلم ولم يبلّغ نفسه فعل الأمور المرضية، والتي من أجلّها تقوى الله ربّ البرية.
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله قَبِل منك: ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) [المائدة:27].
ولما دخل عبد الله بن عمر على أبيه رضي الله عنهما في مرض موته، وقال: يا أبتِ.. ألم تكن تفعل وتفعل، وذكّره بتبشير النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة، قال له عمر رضي الله عنهما: يا بُني: إنما يتقبل الله من المتقين.
قال بعض العلماء:
قد آلم القلب أني جاهل مالي ..... عند الإله أَراضٍ هو أم قالي
وأن ذلك مخبوءٌ إلى يوم ....... اللقاء ومقفول عليه بأقفالِ
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله أحبك الله، ((بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)) [آل عمران:76].
يا طالب العلم.. إنك إن اتقيت الله كنتَ له ولياً، ((وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)) [الجاثية:19].
يا طالب العلم.. خير خلة تتحلى بها أن ينظر الله إلى قلبك قد عُمّر بتقواه، تخاف الله في قولك، تخاف الله في عملك.
وإذا خرجتَ وأنت تحمل كتابك، ورمقتك الأبصار والأنظار، فاستشعر وأنت تحمل كتاباً من كتب الدين والملة أنك تمثل دين الله وشرع الله، فاتقِ الله واحفظ جوارحك عن كل شيء يشين العلم وأهله.
__________
(1) رواه الإمام الترمذي رحمه الله من حديث أنس رضي الله عنه، وقال: حسن غريب. والحاكم، وحسنه الحافظ، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح الكلم الطيب.
المَعْلَمْ الثاني: الإخلاص لله
وهو ثمرة من ثمرات التقوى، إنه سرّ بينك وبين الله، لا يعلمه أحد سوى الله. هذه الوصية التي رفع الله عز وجل بها العلماء، فماتوا وما مات علمهم، وارتحلوا وما ارتحلت فضائلهم ومآثرهم لما علم الله إخلاصهم بقيت كتبهم كأنها كتبت بالأمس القريب، تنفذ وتطبع، وتنفذ وتطبع، بقيت علومهم تغشاهم بها الرحمات آناء الليل وأطراف النهار. إنها العبودية الصادقة لله.
قال بعض أهل العلم –رحمهم الله-: الإخلاص هو الإسلام؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا لشيء سواه، فأي طالب علم أخلص لله في طلبه، وكان يرجو الله عز وجل في قوله وعمله، فهو مسلم بحق، وهو طالب علم بصدق، وكم من أقوال قليلة عظمتها النية، وكم من أقوال كثيرة محق الله بركتها وعادت وبالاً على أصحابها لما خرجت لغير الله، وأريد بها غيره، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إخلاص العمل هو الدين لله، الذي لا يقبل الله ديناً سواه. وقال في موضع آخر: وهو خلاصة الدعوة النبوية، وقطب القرآن الذي تدور عليه رحاه، واستشهد بقول الله تبارك وتعالى: ((تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)) [الزمر:1-3]. ألا لله العبودية والأقوال والأعمال الخالصة لوجهه.
إخلاص العمل لله أن يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمة يسمعها ويقولها ويكتبها ويفهمها، فتكون أشجانه وأحزانه لله جل جلاله، فلا يزال بهذا الإخلاص تُخط به في صحيفة عمله الحسنات، ويُستوجب له بها عند الله رفعة الدرجات، يغدو إلى مجالس العلم فينظر الله في قلبه وهو جالس مع العلماء، ومذاكرة طلاب العلم، وهو لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فلا يزال يحبه الله ويكرمه ويرفعه ويعظم أجره ويحسن العاقبة له في العلم.
فمن كمل إخلاصه لله، فإن الله يوفقه ويسدده ويرحمه، ويجعل عمله نفعاً له في دينه ودنياه وآخرته.
لقد كان السلف الصالح يحملون همّ الإخلاص، حتى كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا حدث بحديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار(1) يغشى عليه، وكان سفيان بن عيينة رحمه الله يقول: (ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيّتي أنها تتقلب عليَّ)(2).
وكان بعضهم إذا قيل له حدثنا، قال: لا.. حتى تأتي النية.
فأول ما يطلب الإنسان العلم يأتيه الزهو والغرور وحبّ المناظرة والمناقشة والبروز على الأقران وحظوظ الدنيا؛ لأنه حين رأيته يحمل كتابه بدأت تجله وتحترمه وتكبره وتخاطبه بالخطاب الذي يدل على إجلاله بعد أن كان من عوام الناس، فيعجب بذلك، فيهلك والعياذ بالله.
وإذا أراد الله بالعبد خيراً في بداية الطلب، كسر قلبه لخشيته، وبدأت تظهر أمارات الإخلاص على عمله وحركاته وسكناته، ويكون أشد ما يكون حرصاً على إخفاء عمله.
قال بعض السلف: وددتُ أن عبادتي بيني وبين الله، لا تراه عين.
الإخلاص لوجه الله أن تستحي من الله عز وجل، إذ علَّمَك وفَهَّمك وأجلسك مجالس الرحمة أن ترجو غيره، أو تلتمس رضوان أحد سواه، فاجعل تعلّمك خالصاً لله، ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب.
ومن أمارات هذا الإخلاص ودلائله وعلاماته المشهورة أن تجد نفسك زاهداً في الدنيا، كثير الطمع في الآخرة، فلا تبحث عن سمعة، ولا تبحث عن رياء، ولا تلتمس رضوان أحد غير الله جل جلاله، تصبر وتكافح وتجاهد في طلب العلم، لا تنثني لك عزيمة، ولا تنكسر لك شوكة، ولا تصرف وجهك عن الوجهة التي علمت فيها رضوان الله العظيم حتى تبلغ غايتك التي تريدها وتنشدها، وهذا هو النَّهَمُ الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) (3) ، فطالب العلم المخلص لوجه الله لا يضعف، ولا يكلّ، ولا يسأم من طلب العلم؛ لأنه يعلم ما وراء هذا التعب والنصب من رضوان الله العظيم، ويعلم أن في نصبه وكدحه محبة الله والدرجات العلى عند الله سبحانه وتعالى.
انتبه لنيتك، وتفقد سريرتك: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد:11].
وأبشر بالتوفيق إذا وطنت نفسك على الإخلاص: ((إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ)) [الأنفال:70].
__________
(1) رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
(2) ذكره ابن جماعة في تذكرة السامع والمتكلم (ص:69-70).
(3) ورد موقوفاً وورد مرفوعاً عند الإمام أحمد في المسند، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.
المَعْلَمْ الثالث: الإقبال على العلم بكليته
أن نفتح لهذا العلم أسماعنا وقلوبنا، وأن نحس أن هذه الآذان تتشرف وتُكرم بسماع كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أن ينطلق طالب العلم وقلبه يشتعل شوقاً لمجالس العلم، فينفتح قلبه وقالبه لماء الوحي، حتى إذا نزل ذلك الماء على القلب، كان كالغيث الطيب في الأرض الطيبة، وما من طالب علم يقبل بكليته على العلم بهذه الكيفية إلا نفعه الله به، ولذلك كانت أول وصية من الله عز وجل لنبي الله موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى)) [طه:13].
من الإقبال بالكلية على العلم أن ننطلق إلى رياض الجنة ننافس إخواننا، ونسابق فيها خلاننا، فلا يسأم وهو في مجلس العلم، ولا يملّ ولا يفتر.. ((إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)) [المزمل:5]، فالعلم ثقيل، ويحتاج إلى عزيمة وقوة وصبر وجَلَد وجمع البال له، ولذلك قال نبي الله موسى بن عمران -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي)) [طه:25-26]، فالأمر جد عظيم.. والتناوم والتكاسل والخمول لا يليق بطالب العلم.. والمحروم من حُرِم.
وكان بعض العلماء يشنّع على من يستاك في مجلس العلم حتى لا يصرف باله عن العلم الذي جلس فيه، والله تعالى يقول: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)) [الأحزاب:4].
وهكذا كان إقبال الصحابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا أطرقوا كأن على رؤوسهم الطير، ما كانوا يستاكون، ولا كانوا ينشغلون، وفي الحكمة (أعطِ العلم كلك يُعطِك بعضه)، فكيف إذا أعطاه الإنسان بعضه.
المَعْلَمْ الرابع: الصبر وتحمل المشقة في الطلب
وهذا المَعْلَم الذي ذكرناه أن العلم لابد فيه من المهانة، ولا بد فيه من التعب والنصب، تدل عليه السنة الصحيحة، ففي حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الوحي(1) ، أخبرت رضي الله عنها أن جبريل أخذ النبي صلى الله عليه وسلم فغطه حتى بلغ منه ذلك المبلغ.
يقول بعض العلماء: إن جبريل غط النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات حتى رأى الموت -صلوات الله وسلامه عليه- وكان بالإمكان في أول مرة أن يقول له: اقرأ باسم ربك الذي خلق، قالوا: حتى يعرف طالب العلم أن العلم لا ينال إلا بالمهانة والتعب وبالنصب.
وكان إذا نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، فإذا كان على ناقة جثت الناقة، وأصاب عنقها الأرض من شدة ما يناله –عليه الصلاة والسلام- عند نزول الوحي، فلا بد من الاختبار والامتحان في طلب العلم، فأول خطوة في الوحي أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت صلى الله عليه وسلم، وآخر لحظة من الدنيا قال فيها: آه.. إن للموت لسكرات.
العلم ثقيل، العلم رسالة عظيمة تحتاج إلى جهاد، تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى كفاح، تحتاج إلى تحمل واحتساب الأجر، وهذا نبي الله وكليمه ونجيه موسى –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- الذي قال الله عز وجل فيه: ((وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)) [طه:39]. ما أعز الله شأنه ورفع ذكره وأصبح إمام بني إسرائيل في زمانه، إلا حين تعب وبذل في سبيل ذلك الجهد، يمشي على قدميه إلى مجمع البحرين قاصداً الخضر عليه السلام حتى أعيى، لم يستقر، ولم يهدأ له بال حتى يبلغ مكان العالم الذي ذكره الله له، الخضر عليه السلام: ((لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)) [الكهف:60] أي حياتي كلها أبد الآباد وأنا أسير في البحث عنه.
فمشى مع غلامه يوشع بن نون حتى بلغ منه التعب والنصب مبلغه.. ((لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)) [الكهف:62]. فرأى علامة مكان الخضر عندئذٍ، ولذلك قالوا: على قدر المشقة تكون من الله المعونة والمؤنة.
ولما أظهر للخضر عليه السلام حرصه على العلم، وطّنه بقوله: ((إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) [الكهف:67]، وهذا أدب من العالم أن ينصح لطالب العلم، قال له موسى "سأصبر" ((سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)) [الكهف:69]، علّق الصبر على المشيئة، ولم يعلّقه على قوته وحوله، من منا اليوم يقول هذا لمن يتعلّم منه، سأصبر ولا أعصي لك أمراً، ولذلك لما فقدنا الذلة للعلم فقدنا روح العلم، تجد العلم ولكن لا تجد روحانية هذا العلم في القلوب.
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلاّم، إمام من أئمة السلف، كان آية في علم القرآن وتفسيره، حتى صار يحتج بأقواله في تفسير القرآن، وكذلك في اللغة والشعر، يقول رحمه الله: لما تعبت في تحصيل العلم، كنت أكدح، أسهر الليل، وأتعب النهار، وأجد المشقة، فإذا وجدت الحكمة والفائدة من العلم، نسيت ما وجدت من التعب، كل التعب يهون عندما أجد الحكمة.
وقال الإمام أبو حاتم رحمه الله: مضت علينا أيام لم نطعم فيها مرقاً، فمن كثرة الدروس وحضور مجالس العلماء لا يجدون وقتاً لطبخ اللحم وشرب مرقته من جدّهم واجتهادهم في التحصيل، نسوا حتى حظوظ أنفسهم –رحمة الله عليهم-.
وهذا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه حين قدم المدينة مهاجراً، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر لم ينتظر ولم يهدأ له بال، حتى لحق به صلى الله عليه وسلم بخيبر، إنها همة هذا الصحابي الجليل التي كانت ثمرتها أن أصبح بعد سنوات وعاء مليء علماً وحكمة، ومن المكثرين من رواية سنن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح اسمه يذكر اليوم كثيراً على المنابر وفي مجامع الناس، وكفى بهذا الذكر شرفاً، ناهيك عن الدعوات وعن أجر كل سنة يعمل بها من بعده وما أعدّه الله له من الكرامة).
يقول الشيخ الشنقيطي: ( أذكر ذات يوم من الأيام أنني اشتكيت إلى الوالد رحمه الله من المشقة في طلب العلم، وكانت دروسه متواصلة أثناء اليوم، بعد الفجر تفسير للقرآن، وبعد الظهر صحيح البخاري، وبعد العصر درس الفقه، وبعد المغرب السنن، وبعد العشاء في صحيح مسلم، خمسة دروس بالإضافة إلى دروس الجامعة، فلما وجدت بعض التعب والمشقة، وأحببت أن أقتصر على البعض، شكوت إليه رحمه الله، فقال: يا بني! والله لقد كنت أوقد الفتيل لأبحث عن مسألة من مسائل الفقه، فيخنقني الدخان فأطفئه ثم أوقده ثم أطفئه، ولا أنتهي من المسألة إلا قرابة منتصف الليل، وأنتم في الكهرباء والنعمة، يقول: والله يا بني.. لقد كان يمرّ عليَّ بعض الآلام والأسقام أسلو عنها بالعلم الذي أتعلّمه).
ومما ذكر – رحمة الله عليه- يقول: ( كانت أذني تؤلمني حتى أجد من الجهد والألم ما الله به عليم، فأضع الفتيلة في أذني لكيه من أجل يسكن الألم، وكتابي في حجري لا أتحول عنه).
العلم يريد جهد وتعب وتضحية وبذل.
طالب العلم يعامل الله، والمعاملة مع الله ابتلاء، وفيها اختبار، وفيها امتحان، ولا بد لطالب العلم أن يجد الشدائد، وأن يجد المحن، وأن يجد من يثبطه ومن يخذله، فأول شيء يوصى به طالب العلم: الصبر على وساوس الشيطان، فإن الشيطان لم يدع لطالب العلم باب خير يطرقه إلا وجاءه منه حتى لا يبلغه، لا يمكن أن يترك طالب العلم وأن يخلي بينه وبين الخير؛ لأن الله عز وجل أخبر أن المؤمن مبتلى، ودرجة طالب العلم فوق درجة المؤمن العامي.
فأول ما يأتي الشيطان للإنسان يخذله، يقول له: من أنت حتى تطلب العلم فلست بعالم، ولا أباك عالم، ولست من بيت علم، حتى يخذله عدوّ الله، ويجد أمامه من حاجات الناس والأهل وأغراضهم ما يمتحن به، ويجعل في قلبه اليأس من رحمة الله والقنوط من روح الله.
فمن فهّم نبي الله سليمان، ومن علّم نبي الله داود -عليهما الصلاة والسلام- قادر على أن يفهمك ويعلمك، وكم من طلاب علم كانوا على جاهلية، وبُعْدٍ من الله تبارك وتعالى، ولكنهم أحسنوا الظن بالله، فما مضت الأيام، ولا انقضت الأعوام، إلا وهم أئمة هدى ومشاعل خير، فأحسن الظن بالله جل جلاله وكن قوي العزيمة على طلب العلم.
فاصبر على طلب العلم، واحتسب البلاء الذي تجده، واحتسب عند الله ما يقال عليك أو يقال لك، فكما أن الإنسان قد يبتلى بالسب والشتم والأذى في عرضه، فقد يبتلى حتى بمدح الناس وثنائهم عليه، فإن الجاه والسمعة والشهرة قد تذهب حسناتك، بل قد تقتل الإنسان من حيث لا يدري، فما على الإنسان إلا أن يجاهد ويحتسب عند الله عز وجل أن يثّبته وأن يوفقه، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم أئمة هدى، هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
__________
(1) رواه البخاري.
المَعْلَمْ الخامس: حفظ الوقت واغتنامه
فإضاعة الوقت من أعظم المصائب على طالب العلم، أعز شيء يملكه طالب العلم: الوقت، والذي يريد العلم يحفظ وقته.
طالب العلم أعز شيء عنده: الوقت، خاصة إذا خرج في طلب العلم من مدينته إلى مدينة ثانية، ما ترك والديه، ولا ترك إخوانه ولا قرابته، ما تركهم عبثاً، ينبغي أن يحترق في قرارة قلبه على كل ساعة تضيع.
من أعظم الآفات التي تضيع على طالب العلم الخير الكثير: عدم الحرص على الوقت، ومن الحرص على الوقت إذا جلس طالب العلم مع طلاب العلم يستفيد، لا تجلس هكذا صامتاً، سلهم مسألة وإن كانوا دونك في العلم، اطرح عليهم مسألة، ثم علّمهم إياها، وإن كانوا أعلى منك تواضع وخذ منهم، وإن كانوا في مستواك ذاكرهم، فتكون دائماً في مذاكرة للعلم، فإن مذاكرة العلم عبادة تشتري بها رحمة الله، يحتسب في لحظاته وحركاته حتى إذا جلس مع الناس أن يستفيد أو يفيد، فهذه رسالة طالب العلم.
وإذا وفقه الله كان عنده الحرص على كل لحظة وعلى كل ساعة وعلى كل دقيقة أن تضيع هدراً، يغار على كل لحظة، يتذكر الوالدين، يتذكر الأبناء، يتذكر فلذات الكبد، الجيران، الخلان، الأحبة والإخوان، كلهم تركهم من أجل هذا العلم، إذاً فلا بد أن يُمضي الوقت في طاعة الله، وأن يستغل هذا الوقت في محبة الله ومرضاته، هذا من أهم ما يعتني به طالب العلم، وفي الحكمة: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فالوقت إما لك، وإما عليك.
قال الإمام مالك رحمه الله: ما دخلتُ على جعفر إلا وجدته على إحدى ثلاث خلال: إما قائماً يصلي، أو جالساً يقرأ القرآن، أو جالساً يذكر الله، حتى كان بعض العلماء يقول: نِعْمَ –والله- الحال.
وأذكر بعض الفضلاء من أهل العلم كان من رفقائنا في طلب العلم، كنت إذا دخلت عليه أزوره، فأجلس أحادثه وأذاكره في المسائل، الكتاب في حجره، والله لا أخرج عن مذاكرة العلم قليلاً إلا تركني وأقبل على العلم ولم يجاملني.
ومما يعين على حفظ الوقت:
أ- كثرة ذكر الآخرة: فمن تذكر أنه ستمرّ عليه مثل هذه اللحظات حبيس الأجداث والبلى، فإن هذا يهون عليه أمر الدنيا، ويُحَسّسهُ كأن عمره قصيراً، فيستنفذه في الطاعة والخير.
ب- الابتعاد عن المعاصي، فقد يقصر في بر الوالدين أو صلة الأرحام فيحرم البركة في الوقت، كما قال سفيان: أذنبتُ ذنباً فحرمتُ لذة قيام الليل سنتين.
وليس من الحكمة أن تضع جدولاً لطلاب العلم لحفظ أوقاتهم؛ لأنهم يختلفون، فبعضهم لا يتمكن من الجلوس بعد الفجر أو الحفظ في آخر النهار، والبعض يناسبه السهر في طلب العلم، فوضْعُ منهجٍ معينٍ لتقسيم الأوقات من الصعوبة بمكان.
ولكن نضع لهم قواعداً تأسياً بالكتاب والسنة، (احرص على ما ينفعك)، وننبه على ما يضيع الوقت، مثل: قرين السوء ولو كان صالحاً، لكن ليس عنده عقل، فيضيع أوقاتك فيما لا خير فيه، فتفقد من حولك، فالقرين الصالح إذا رآك على خير سددك، وإذا رآك على تقصير نبهك وذكّرك، ولذلك قال بعض السلف: أخوف الناس فيك من نصحك، أي: أخوف الناس لله فيك.
إن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك
وكم من الجلساء إذا جلستَ معه قمتَ وإيمانك أزيد مما كان من الخير والبرّ والفائدة والحكمة.
وإذا لم تجد أعواناً وجلساء هذه صفاتهم، فاجلس مع السلف الصالح الأخيار في كتبهم ومؤلفاتهم وتراجمهم.
طالب العلم ينبغي أن يتفقد من حوله، ويحذر من الذي يفسد قلبه بالقيل والقال.
صلح قرين السوء للقرين ... ... كصلح اللحم للسكين
ينبغي لطالب العلم أن يغار على كل ساعة وعلى كل لحظة وعلى كل طرفة عين، ما تغرّب الإنسان عن أهله ولا فارق جيرانه ولا إخوانه عبثاً، فارقهم لشيء أعز وأنفس، وهو طاعة الله ومرضاته في طلب العلم، فهذا أمر ينبغي العناية به.
المَعْلَمْ السادس: اختيار الرفقة في الطلب:
ومن الأمور التي كان العلماء يوصون بها طالب العلم أنه يبحث عن قرين صالح يعينه على طلب العلم.. يبحث عن شاب خيّر صالح، يعرف فيه الهمة والنشاط، فيتخذه بطانة له على الخير، ويشدّ من أزره، وكل منهما ينصح لأخيه، حتى يكونا من المرحومين الذين سمّى الله جل جلاله.
وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- يعرفون أثر الرفقة في طلب العلم من الإعانة على الخير، قال تعالى عن نبيه موسى لما أوحى إليه بالرسالة: ((وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا)) [طه:29-35].
اشدد به أزري، وأشركه في أمري.. فجملة (كي نسبحك).. تعليلية.. أي سألتك هذا لكي أكون أكثر عوناً على طاعتك، والقرين الصالح الذي تعرف فيه الهمة والنشاط يعينك وتعينه بإذن الله جل جلاله، وتكونا ممن وصفهم الله في كتابه المبين في قوله تعالى: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [التوبة:71]، فهذا من ولاية المؤمن لأخيه المؤمن.
وللموضوع بقية بإذن الله.
منقول من : معالم تربوية لطالبي أسنى الولايات الشرعية، للشيخ : مُحمّدِ بنِ محمّدٍ المُختارِ الشنقيطيِّ . بتصرف يسير.