المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العاصم من الضلال


الغيوورة
05-03-2008, 03:52 AM
العاصم من الضلال
د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ


ضلال الخلق على كثرة صوره وأنواعه، وتعدد مظاهره وأشكاله، سواء كان في الأفكار والتصورات، أو الأخلاق والسلوكيات، أو الأعمال والممارسات، يعود في حقيقته إلى سببين رئيسين:

الأول: الجهل أو العمى. والثاني: الظلم أو الهوى.

قال الله عز وجل: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا)[الأحزاب: 72]

فبين أن الأصل في الإنسان هو الظلم والجهل، إلا من زكاه الله بالعدل الذي يمنعه من الظلم، والعلم النافع الذي يرفع عنه الجهل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والجهل والظلم هما أصل كل شر، كما قال سبحانه: (وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً)"1

ويدل على ذلك أيضاً: أن الله تعالى أمرنا بقراءة أم القرآن في كل ركعة من ركعات الصلاة، سواء كانت مفروضة أو مستحبة، ومن بين آياتها قوله سبحانه: (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)[الفاتحة: 6ـ7]

فأرشدنا إلى سؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم، وذلك يتضمن معرفة الحق والتوفيق للعمل به، وهما ينافيان الجهل والهوى. ثم بين أن هذا هو طريق الذين أنعم عليهم من النبيين وأتباعهم بإحسان، حيث دلهم على الحق، وأعانهم على امتثاله والعمل به، بخلاف المغضوب عليهم والضالين، الذين تنكبوا الصراط المستقيم، فوقعوا في الشرك والضلالات، والبدع والخرافات، وارتكبوا الكبائر والمنكرات، إما اتباعاً للهوى مع علمهم بالحق، وهؤلاء هم المغضوب عليهم، كاليهود، الذين أضلهم الله على علم، فتركوا الحق مع علمهم به. وإما جهلاً منهم بالحق، فعبدوا الله على جهل، وهؤلاء هم الضالون، كالنصارى، الذين يتقربون إليه بالشركيات، ويتعبدون له بالبدع والضلالات.[2

وإذا كان المسلم مأموراً بأن يتفهم هذه المعاني العظيمة، ويدعو بهذا الدعاء الجامع في كل ركعة من ركعات الصلاة، فإن هذا دليل على خطورة الجهل واتباع الهوى، ووجوب مجاهدة النفس على طلب العلم والهدى، واتباع الحق والاستقامة عليه، وأن الجهل والهوى هما سبب ضلال الخلق، وبعدهم عن الهدى ودين الحق.

ولو تأملت في أحوال العاصين المفرطين، والمبتدعة الضالين، والغلاة الجافين، لوجدتهم إنما أتوا من قبل هذين الأمرين أو أحدهما.

الجهل أصل الضلال

والجهل أصل الضلالين، وأخطر الشرين، وما من أحد يتبع الهوى، ويعرض عن الحق والهدى إلا بسبب جهله بالله وسطوته، وغفلته عن شؤم الذنب وسوء عاقبته.

وفي ظني أن أكثر هؤلاء المذكورين إنما تنكبوا الصراط المستقيم بسبب الجهل وقلة الفقه، وضعف البصيرة في الدين.

فكثير ممن يرتكبون الكبائر، ويسرفون على أنفسهم بالمعاصي، أو يتساهلون بظلم العباد وبخسهم حقوقهم، لا يعلمون أن فعلهم هذا من المحرمات الكبائر، وإن عرفوا تحريمه من حيث الجملة، فإنهم لا يدركون شناعته وشدة تحريمه، وما يترتب عليه من الإثم والشؤم، والعواقب السيئة في الدنيا وفي الآخرة، فيتساهلون في فعله، ويستهينون بشأنه، ولو علموا ما ورد في هذا المنكر من الوعيد والعذاب الشديد، لما ارتكبوه، أو أصروا عليه واستمرؤوه.

فمن يشرب الخمر مثلاً أو يفعل الزنا، أو يمارس الغيبة أو النميمة، لو علم بأضرار هذه المعاصي على القلب والبدن، والدين والدنيا، وما يترتب عليها من العذاب والنكال الأليم، والعقوبات العاجلة والآجلة، لكان ذلك أعظم زاجر له عن اقترافها، أو استمرائها والتهاون بشأنها.

وقد يُؤتى الإنسان من قبل جهله من وجه آخر، حيث يظن أن فعله هذا مبارك مشروع، وصاحبه مأجور مشكور، وليس الأمر على ظنه وحسبانه في الواقع، كمن يظلم كافراً أو فاسقاً، ويتعمد الإساءة إليه بالقول والفعل، وهو يظن أن عمله هذا قربة يرفعه الله بها درجات، ويجهل أن الظلم حرام في حق كل أحد، سواء كان مسلماً أو كافراً، براً أو فاجراً، وأن فعله هذا من الصد عن سبيل الله، والظلم لعباد الله، وكلاهما حرام بنصوص كثيرة في الكتاب والسنة.

وأشنع من هذا: من يغدر بكافر معاهد، ويتعمد قتله، لظنه أن قتله مباح وأن دمه هدر، أو ينسف بيتاً أو مجمعاً فيه أناس من هؤلاء المعاهدين، ويظن أن عمله هذا جهاد في سبيل الله، وأنه قام بذلك نصرة لدين الله عز وجل، وانتقاماً للمسلمين المستضعفين.

ولا أدل على هذا الجهل والعمى، والبعد عن الرشاد والهدى من أن يضحي أحدهم بحياته، ويفجر نفسه في مجمعات سكنية أو تجارية، وفي بلاد إسلامية، ليقتل من يسكنها من هؤلاء المعاهدين أو الذميين أو المستأمنين، وفيهم نساء وشيوخ وأطفال لا يجوز قتلهم حتى في حال الحرب بين المسلمين والكافرين المحاربين، بل قد يكون بينهم أناس من إخوانه المسلمين. ومع ذلك فهو يرتكب كل هذه المنكرات، وينتهك كل هذه الحرمات، ظاناً أن هذا جهاد في سبيل الله، وأنه يفعل ذلك تقرباً إلى الله، وطلباً للشهادة في سبيله. وهل هذا إلا من أبطل الباطل، وأنكر المنكرات، وأعظم الجهل، وأشد الظلم والغدر، وأكبر أنواع الجناية على الإسلام وأهله؟!! وليس هو من سبيل المؤمنين في قليل ولا كثير.

ومن هؤلاء من يتصدون لتغيير المنكرات بالقوة، ولو كان تغييرها يستلزم حصول ما هو أنكر منها، وأبغض إلى الله. وقد يفلحون في تغيير منكر صغير، ولكنهم يتسببون في ضياع أنواع من المعروف كثيرة، وفي جلب أنواع من المنكر أعظم بكثير مما أزالوا، فهم كمن يبني قصراً ويهدم مصراً.

وما أوقعهم في ذلك إلا الجهل، وقلة الفقه، والاندفاعات العاطفية غير المدروسة، والحماس الأهوج، الذي يورط في أعمال تضر ولا تنفع.

وإلا فبأي حجة يتمسك هؤلاء حين يقتلون مسلماً فاسقاً يدعو إلى الفساد، ويحرض على الشر والمنكر؟! أو يحرقوا مكاناً للفساد أو يفجروه، وهو محمي بقوة السلطان والقانون.

وإن ما يجره مثل هذا العمل من هتك الحرمات، وتكثير المنكرات، والتسبب في إهانة أهل الخير، وتحجيم الدعوة إلى الله، وانحسار مدّها، وغربة أهلها، وربما قتلهم، وانتهاك خصوصياتهم، ونحو ذلك، أعظم بكثير مما أزالوه من المنكر.

ومن تسبب في ذلك فإنه مأزور غير مأجور، ولا يغني عنه حسن قصده وسلامة نيته، وإرادته للخير، فكم من مريد للخير لم يبلغه؟ ولابد مع سلامة القصد من سلامة العمل، وأن يكون على وفق الشرع.

وبهذا نعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحرمان إذا تضمنا تفويت مصلحة أكبر، أو جلب فتنة ومفسدة أعظم.

فلا يجوز أن يؤدي الأمر بالمعروف إلى انتفاء معروف أكبر منه، ولا النهي عن المنكر إلى حصول منكر أنكر منه، وعند تزاحم المصالح، نحصّل أعلاها ولو بتفويت أدناها، وعند تزاحم المفاسد ندفع أعلاها ولو بارتكاب أدناها، فنختار خير الخيرين، وندفع شر الشرين.

ومما سبق يتبين لنا أمران مهمان:


الأول: حاجتنا بل اضطرارنا إلى معرفة الحق وطلب العلم الشرعي.

ولهذا جعل الله تعالى طلب العلم الشرعي فريضة على كل مسلم ومسلمة، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"3

وهذا يشمل كل علم يتوقف عليه القيام بالواجب أو ترك المحرم، فتعلمه فرض عين على كل مسلم مكلف، أما ما زاد على ذلك من العلوم الشرعية أو الدنيوية التي تحتاجها الأمة، فهذه تعلمها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي من سائر أمة الإسلام، وسدت بهم حاجة الأمة، فقد حصل المقصود، وأدي الواجب، وسقط الإثم عن الباقين، وإن أطبقت الأمة كلها على تركه، أو تصدى له من لا تحصل بهم الكفاية، أثمت الأمة كلها، الرجال والنساء، القادرون وغير القادرين، أما القادر فيأثم لعدم قيامه به ومباشرته له مع قدرته عليه. وأما غير القادر فواجبه أن يحض القادرين على القيام بما أوجبه الله عز وجل. وإن كان إثم القادر أعظم من إثم غيره. لكنهم جميعاً آثمون. وهذا هو الشأن في جميع فروض الكفايات.

ولأجل هذا حث الله تعالى على طلب العلم النافع والاستكثار منه، وأثنى على العلماء، وبين عظيم فضلهم ورفعة مكانتهم، وأنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ووردت كذلك أحاديث كثيرة تبين فضل العلم والعلماء، وأنهم ورثة الأنبياء في معرفة الحق والعمل به، وفي حمل هذا الدين وتبليغه للعالمين. وهي آيات وأحاديث معلومة فلا نطيل بذكرها.

بل بين النبي صلى الله أن الاشتغال بالعلم تعلماً وتعليماً أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات التي يقتصر نفعها على صاحبها، وأن من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وبين الفرق الواسع والبون الشاسع بين العالم البصير والعابد الجاهل، فقال: "من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"[4

أسباب تفضيل الأشتغال بالعلم

ولهذا التفضيل أسباب منها ما يأتي:

1ـ أن العالم أعرف بالله عز وجل وحقوقه، وأكثر محبةً له وتعظيماً لجنابه، ورجاء لثوابه، وخوفاً من عقابه، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ولهذا قال ربنا سبحانه: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)[فاطر: 28] فبين أنهم هم الذين يخشونه حق خشيته، لكمال معرفتهم به، وامتلاء قلوبهم بتعظيمه ومحبته، ورجائه وخشيته، وتفكرهم بآياته الكونية والشرعية، وإدراكهم لمقاصد شريعته وغاياتها، وحكمها وأسرارها، فيزدادون يقيناً بأن هذا الدين هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وأنزله رحمة للعالمين، وأن الذي جاء به هو رسول الله حقاً، الذي لو لم يأت بآية تدل على صدقه وصدق ما جاء به وأنه من عند الله إلا ما تضمنته هذه الشريعة من الحكم والمصالح لكانت كافية شافية.

قال ابن القيم: "فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل. فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها"5

2ـ أن العلم النافع يعصم صاحبه بتوفيق الله من الانحراف والضلال، ويحميه من الوقوع في البدع والمحدثات، والشركيات والضلالات، ويحمله على تعظيم الشعائر والحرمات، والتجافي عن المنكرات والموبقات. بخلاف العابد الجاهل، فإنه قد يقع في شئ من هذه المخالفات بسبب جهله، وربما يتقرب إلى الله بما لم يأذن به الله، كحال عباد النصارى، ومن شابههم من جهلة عباد المسلمين، الذين يتعبدون بالبدع والمحدثات، أو يتقربون إلى أصحاب القبور بأنواع القربات، ويشركون بالله تعالى، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

وربما اشتغل العابد الجاهل بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوج عن الراجح ، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، فهو يتعبد بالأعمال المفضولات ويترك الأعمال الفاضلات، ويتوسع في النوافل والمستحبات على حساب الفرائض والواجبات. فتجده يُشغَل بنوافل العبادات عن ما أوجبه الله من بر الوالدين، وصلة الأرحام، وتربية الأولاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين.

وعلاج ذلك بالبصيرة في الدين، والعلم بمراتب العبادات، ومعرفة أقدارها، والتمييز بين فاضلها ومفضولها، فإن في الطاعات سيداً ومسوداً، ورئيساً ومرؤوساً، وكبيراً وصغيراً، وذروةً وما دونها.6

قال ابن الجوزي: "اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل، فهو يدخل منه على الجهال بأمان. وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة. وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلة علمهم، لأن جمهورهم يشتغل بالتعبد، ولم يُحكم العلم"7

فالعلم النافع هو الذي يقي من مكايد الشيطان ونزغاته، ويكشف شبهاته وتلبيساته. وكلما كان المؤمن الصادق أكثر علماً بالشريعة وتضلعاً منها، كان أكثر تمسكاً بالسنة وحرصاً عليها، وبعداً عن البدعة ونفوراً منها، وحذراً من مصايد الشيطان ووساوسه.

3ـ أن العلم نور يهدي إلى الحق، وينير الطريق للسالكين، وبه يُميَّز بين الإيمان والكفر، والمصلحة والمفسدة، والخير والشر، بل يعرف به خير الخيرين وشر الشرين. وعلى قدر علم الإنسان وفقهه، وقوة بصيرته، وسعة أفقه، ومعرفته بواقعه، يكون حكمه على الأحداث من حوله، وإدراكه لكيفية التعامل معها، ونظره إلى عواقبها ومآلاتها، ومتى يقدم، ومتى يحجم؟ ومن يعادي، ومن يسالم؟ ولهذا أمرنا ربنا عز وجل بالرجوع إلى العلماء الربانيين في الأمور التي تهم الأمة، وتمس مصالحها العامة، فقال سبحانه: ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان إلا قليلاً )[النساء: 83].

فهذا إنكار من الله تعالى على من يتعجل في الحكم على الأمور، ويبادر بنشر الأخبار وإذاعتها قبل التأكد من ثبوتها وصحتها، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، المتعلقة بالمصالح العامة، أن يتثبتوا ويتعقلوا، وأن يردوا الأمر إلى أولي الأمر من العلماء الراسخين، أهل الرأي والحصافة، والعقل والرزانة، وبعد النظر وسعة الأفق، الذين يعرفون الأحوال، ويميزون بين المصالح والمفاسد، فيهدونهم بإذن الله إلى الطريق الأسد، والمنهج الأرشد.8

4ـ أن عمل العابد مهما عظم، فإن نفعه قاصر على نفسه، بخلاف العالم فنفعه متعدٍ إلى غيره.9

الثاني: وجوب الحذر من الأئمة المضلين، والجهلة المتعالمين، والمتصدرين للفتوى وليسوا من أهلها.

ولهذا أمرنا الله تعالى بسؤال أهل الذكر فقال: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)[الأنبياء: 7]

وأهل الذكر هم العلماء الراسخون، الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والإمامة في الدين. أما أدعياء العلم، وأنصاف المتعلمين، والمتطفلون على موائد العلماء، فليسوا أهلاً لأن يستفتوا ويصدر عن رأيهم، وبخاصة في الأمور العامة التي تمس مصالح الأمة.

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من أمثال هؤلاء فقال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"10

وهذا يتضمن التحذير من ترئيس الجهال، وتخلية الساحة لهم، بقعود العلماء الراسخين عما أوجبه الله عليهم من البلاغ والتبيين. وفيه التحذير من استفتاء أدعياء العلم وأنصاف المتعلمين، ومن يتصدرون للفتوى، وهم في الحقيقة جهال أدعياء. وفيه التحذير الشديد لهؤلاء من القول على الله بلا علم، وإقحام أنفسهم فيما لا يحسنون، والخوض في بحر لا يجيدون السباحة فيه، فيَضلون ويُضلون، ويتحملون أوزارهم وأوزار من يضلونهم بغير علم.

بل إن هؤلاء الأئمة المضلين هم أخوف ما كان يخافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وذلك لشدة خطرهم، وعموم ضررهم، فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"، وفي رواية: "أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون"11

بل كان يخاف على أمته منهم أشد من خوفه عليهم من فتنة المسيح الدجال، الذي أُمرنا بالتعوذ من فتنته في كل صلاة، وما من نبي إلا وأنذر أمته الدجال12، وذلك لعظيم خطره، وشدة فتنته، ومع ذلك فأئمة الضلالة أشد ضرراً على الأمة من فتنته، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: " كنت مخاصر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى منزله، فسمعته يقول: غير الدجال أخوف على أمتي من الدجال. فلما خشيت أن يدخل قلت: يا رسول الله، أي شيء أخوف على أمتك من الدجال؟ قال: الأئمة المضلين"13، وعن علي رضي الله عنه قال: "كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فذكرنا الدجال، فاستيقظ محمراً وجهه فقال: غير الدجال أخوف عندي عليكم من الدجال: أئمة مضلون"14

ويؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين حذر من فتنة الخوارج، وأمر بقتلهم، بين أنهم إنما أُتوا من قبل جهلهم، وقلة فقههم، فجنوا على أنفسهم وعلى أمتهم، ولم يشفع لهم حسن نيتهم، وسلامة قصدهم، وكثرة عبادتهم، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة"15

فبين أنهم "سفهاء الأحلام"، وهذا دليل على ضعف عقولهم وغلبة الجهل عليهم. ووصفهم بأنهم "حدثاء الأسنان"، وحديث السن في الغالب أقرب إلى الجهل والطيش، والتسرع وعدم الروية، وجنوح الفكر والتطرف في الرأي، من كبير السن، الذي عركته الحياة، وحنكته التجارب، وأدرك أهمية النظر في المآلات والعواقب.

ووصفهم كذلك بأنهم "يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، وهذا أيضاً دليل على جهلهم وضعف بصيرتهم، فإنهم مع كثرة قراءتهم للقرآن لا يجاوز حناجرهم، فهم يقرؤونه بألسنتهم ولا يعونه بعقولهم، ولا يفقهون مواعظه ونذره، ولا يعلمون أحكامه وحدوده.

وقد بلغ من فرط جهلهم، وقلة توفيقهم أنهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"[16، فقد استحلوا دم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ومن كان معه من خيار الصحابة والتابعين. هذا فضلاً عن احتقارهم لكبار علماء الصحابة، وزهدهم في علمهم، وظنهم أنهم ـ على قلة بضاعتهم وضعف عقولهم ـ أعلم منهم، وأعرف بالواقع، وأبصر بالأمور.

وهذا هو ديدنهم على مر العصور، من احتقار العلماء الراسخين، وتسفيه آرائهم، والحط من أقدارهم، ووصفهم بالسذاجة والجهل، وعدم الفقه بالواقع ومعرفة الحقائق، أو رميهم باتباع الهوى ومخالفة الحق، تملقاً للسلاطين ومداهنة للخلق، وإيثاراً للدنيا على الآخرة!! وقد يكون الحامل لهم على هذه البلية، وتقحم هذه المعصية الجلية، وأكل هذه اللحوم المسمومة، هو الترويج لآرائهم الشاذة، وخداع العامة بها، وإقناعهم بأن من أنكر عليهم من أولئك العلماء فإنما هو بسبب جهله أو اتباعه للهوى. فنعوذ بالله من عمى القلوب، وانطماس البصائر، ولبس الحق بالباطل.

وكلما تقادم الزمان، وبعد الناس عن عهد النبوة، كثر جهلهم، وقلَّ فقههم، ورق دينهم، فاستحلوا الحرمات، ووقعوا في المنكرات، واتبعوا الأهواء والشهوات، وهذا من أشراط الساعة، ففي الصحيحين17 عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنى، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال، وتبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد".

وبهذا يتبين لنا خطر الجهل، وخطر الانخداع بأئمة الضلالة والجهالة، وأن هذا من أكبر أسباب ضلال الخلق، وبعدهم عن الهدى ودين الحق، ووقوعهم في الكبائر وهم لا يشعرون، وإقدامهم على الظلم والعدوان وهم يحسبون أنهم محسنون عادلون، فهم جهال ويجهلون أنهم جاهلون، وظلمة مجرمون وهم يظنون أنهم نصحة مجاهدون، ويشوهون صورة الإسلام، ويصدون عن سبيل الله من حيث يظنون أنهم يسعون لإعلاء كلمة الله!

------------------------------------
1. اقتضاء الصراط المستقيم، ص: 37.

2. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 1/197: " فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بفعل ما أمر وترك ما حظر وتصديقه فيما أخبر ولا طريق الى الله إلا ذلك وهذا سبيل أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين. وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغي والضلال. وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا فقال تعالى: (والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى)[النجم: 1ـ4] وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول فى صلاتنا: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)[الفاتحة: 6ـ7]

وقد روى الترمذى وغيره عن عدي بن حاتم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" قال الترمذي: حديث صحيح. وقال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وكان غير واحد من السلف يقول: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.

فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)[البقرة: 44]، ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم: (يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل)[المائدة: 77]

فالأول من الغاوين، والثاني من الضالين. فإن الغي اتباع الهوى، والضلال عدم الهدى. قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد الى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)[الأعراف: 175ـ176]... ومن جمع الضلال والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء. نسأل الله أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً".

3. رواه ابن ماجه: 224، وأبو يعلى: 2837. وله شواهد عديدة. وصححه السيوطي في "الجامع الصغير": 5264. والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70. وقال في تعليقه على "مشكاة المصابيح" 1/76: "واعلم أن السيوطي قد جمع هذه الطرق حتى أوصلها إلى الخمسين، وحكم من أجلها على الحديث بالصحة، وحكى العراقي صحته عن بعض الأئمة، وحسنه غير ما واحد. والله أعلم. وأما زيادة "ومسلمة" التي اشتهرت على الألسنة فلا أصل لها البتة".

4. رواه أبو داود: 3641، 3642، وابن ماجه: 223، والدارمي: 342. وحسن إسناده الألباني في تعليقه على "مشكاة المصابيح": 1/74، وفي "صحيح الترغيب والترهيب": 68. ويشهد له حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، وفيه: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) والحديث رواه الترمذي: 2685. وصححه السيوطي في "الجامع الصغير": 5859. ورواه الدارمي بهذا اللفظ من حديث مكحول الدمشقي مرسلاً: 289. قال الألباني في تعليقه على "مشكاة المصابيح" 1/75: وهو مرسل حسن.

5. إعلام الموقعين 3/3.

6. انظر: مدارج السالكين 1/225.

7. تلبيس إبليس، ص: 154.

8. انظر: تفسير ابن كثير 1/704ـ705، وتفسير السعدي 1/377.

9. انظر: مدارج السالكين 1/87، وتلبيس إبليس، ص: 172.

10. رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673.

11. رواه أبو داود: 4252، والترمذي: 2229، والدارمي: 209، 2752، وأحمد: 22448، وابن حبان: 6714، والقضاعي في "مسند الشهاب": 1166، وأبو بكر الشيباني في "الآحاد والمثاني": 456. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/109، وذكر له شواهد عديدة من حديث عمر، وأبي الدرداء، وأبي ذر، وشداد بن أوس، وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهم.

12. روى مسلم في صحيحه: (2933) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله :e "ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب".

13. رواه أحمد: 21335. ويشهد له الأحاديث التي قبله، ولذا قال الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/643: فالحديث بمجموع ذلك صحيح.

14. رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده: 466. وقد ضعف إسناده الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/111. لكن تشهد له الأحاديث التي قبله.

15. رواه البخاري: 3415، 4770، 6531، ومسلم: 1066.

16. رواه البخاري: 3166، ومسلم: 1064.

17. رواه البخاري: 81، 4933، ومسلم: 2671
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منقوول

اللؤلؤة
05-03-2008, 04:54 PM
موضوع راااائع كناقلته بارك الله جهودك ونفع بك


دعاء: اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

Teacher
05-04-2008, 01:28 AM
شكرا على جهدك الرائع...

الغيوورة
05-05-2008, 09:17 PM
جزاكن الله الفردوس الأعلى
يعجز اللسان والجنان عن شكركن

ِ~ حنين الذكريات ~ِ
05-13-2008, 09:40 AM
http://up104.arabsh.com/my/d4715e8.gif (http://up104.arabsh.com)

الغيوورة
05-13-2008, 03:50 PM
والشكر موصول لمرورك وتعقيبك